فصل: طريقان لمعرفته تعالى

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الفوائد **


 فائدة‏:‏ نظرة إلى سورة الفاتحة

للإنسان قوتان‏:‏ قوة علمية نظرية، وقوة عملية إرادية، وسعادته التامة موقوفة على استكمال قوتيه‏:‏ العلمية والإرادية، واستكمال القوة العلمية إنما يكون بمعرفة فاطره، وبارئه، ومعرفة أسمائه وصفاته، ومعرفة الطريق الذي توصل إليه، ومعرفة آفاتها ومعرفة نفسه ومعرفة عيوبها، فبهذه المعارف الخمسة يحصل كمال قوته العلمية، وأعلم الناس أعرفهم بها وأفقههم فيها‏.‏

واستكمال القوة العلمية الإرادية لا تحصل إلا بمراعاة حقوقه سبحانه على العبد والقيام بها إخلاصاً وصدقاً ونصحاً وإحساناً ومتابعة وشهوداً لمنته عليه، وتقصيره هو في أداء حقه، فهو مستحي من مواجهته بتلك الخدمة لعلمه أنها دون ما يستحقه عليه ودون ذلك، وأنه لا سبيل له إلى استكمال هاتين القوتين إلا بمعونته فهو يهديه الصراط إما المستقيم الذي هدي إليه أولياؤه وخاصته، وأن يجنبه الخروج عن ذلك الصراط إما بفساد في قوته العلمية فيقع في الضلال، وإما قوته العملية فيوجب له الغضب‏.‏

فكمال الإنسان وسعادته لا تتم إلا بمجموع هذه الأمور، وقد تضمنتها سورة الفاتحة وانتظمتها أكمل انتظام فإن قوله‏:‏ ‏{‏الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين‏}‏ يتضمن الأصل الأول وهو معرفة الرب تعالى، ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله، والأسماء المذكورة في هذه السورة هي أصول الأسماء الحسنى، وهي‏:‏ اسم الله والرب والرحمن‏.‏

فاسم الله متضمن الصفات الألوهية، واسم الرب متضمن لصفات الربوبية، واسم الرحمن متضمن لصفات الإحسان والجود والبر‏.‏ ومعاني أسمائه تدور على هذا‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏إياك نعبد وإياك نستعين‏}‏ يتضمن معرفة الطريق الموصلة إليه وأنها ليست إلا عبادته وحده بما يحبه ويرضاه، واستعانته على عبادته‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏اهدنا الصراط المستقيم‏}‏ يتضمن بيان أن العبد لا سبيل له إلى سعادته إلا باستقامته على الصراط المستقيم، وأنه لا سبيل له إلى الاستقامة على الصراط إلا بهدايته‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏غير المغضوب عليهم ولا الضالين‏}‏ يتضمن بيان طرفي الانحراف عن الصراط المستقيم، وأن الانحراف إلى أحد الطرفين انحراف إلى الضلال الذي هو فساد العلم والاعتقاد، والانحراف إلى الطريق الآخر انحراف إلى الغضب الذي سببه فساد القصد والعمل‏.‏

فأول السورة رحمة وأوسطها هداية وآخرها نعمة‏.‏

وحظ العبد من النعمة على قدر حظه من الهداية، وحظه منها على قدر حظه من الرحمة‏.‏ فعاد الأمر كله إلى نعمته ورحمته‏.‏ والنعمة والرحمة من لوازم ربوبيته، فلا يكون إلا رحيماً منعماً وذلك من موجبات إلهيته فهو الإله الحق وإن جحده الجاحدون وعدل به المشركون‏.‏

فمن تحقق بمعاني الفاتحة علماً ومعرفة وعملاً وحالاً فقد فاز من كماله بأوفر نصيب، وصارت عبوديته عبودية الخاصة الذين ارتفعت درجتهم عن عوام المتعبدين، والله المستعان‏.‏

 فائدة‏:‏ لمعرفته تعالى طريقان

الرب تعالى يدعو عباده في القرآن إلى معرفته من طريقين‏:‏

أحدهما‏:‏ النظر في مفعولاته‏.‏

ثانيهما‏:‏ التفكر في آياته وتدبرها، فتلك آياته المشهودة، وهذه آياته المسموعة المعقولة‏.‏

فالنوع الأول‏:‏ كقوله‏:‏ ‏}‏إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجرى في البحر بما ينفع الناس ‏.‏‏.‏‏.‏‏{‏ ‏(‏الآية‏:‏ 164 من سورة البقرة‏.‏‏)‏، إلى آخرها، وقوله‏:‏ ‏}‏إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب‏{‏ ‏(‏الآية‏:‏ 190 من سورة آل عمران‏.‏‏)‏، وهو كثير في القرآن‏.‏

والثاني‏:‏ كقوله‏:‏ ‏{‏أفلا يتدبرون القرآن‏}‏‏(‏الآية‏:‏ 82 من سورة النساء‏.‏‏)‏، وقوله‏:‏ ‏{‏أفلم يدبروا القول‏}‏‏(‏الآية‏:‏ 68 من سورة المؤمنون‏.‏‏)‏، وقوله‏:‏ ‏{‏كتاب أنزلناه مباركا ليدبروا آياته‏}‏‏(‏الآية‏:‏ 29 من سورة ص‏.‏‏)‏، وهو كثير أيضاً‏.‏

فأما المفعولات فإنها دالة على الأفعال، والأفعال دالة على الصفات، فإن المفعول يدل على فاعل فعله، وذلك يستلزم وجوده وقدرته ومشيئته وعلمه لاستحالة صدور الفعل الاختياري من معدوم أو موجود لا قدرة له ولا حياة ولا علم ولا إرادة‏.‏ ثم ما في المعلومات من التخصيصات المتنوعة دالّ على إرادة الفاعل وأن فعله ليس بالطبع بحيث يكون واحداً غير متكرر‏.‏

وما فيها من المصالح والحكم والغايات المحمودة دال على حكمته تعالى‏.‏

وما فيها من النفع والإحسان والخير دال على رحمته‏.‏

وما فيها من البطش والانتقام والعقوبة دال على غضبه‏.‏

وما فيها من الإكرام والتقريب والعناية دال على محبته‏.‏

وما فيها من الإهانة والإبعاد والخذلان دال على بغضه ومقته‏.‏

وما فيها من ابتداء الشيء في غاية النقص والضعف ثم سوقه إلى تمامه ونهايته دال على وقوع المعاد‏.‏

وما فيها من أحوال النبات والحيوان وتصرف المياه دليل على إمكان المعاد‏.‏

وما فيها من ظهر آثار الرحمة والنعمة على خلقه دليل على صحة النبوات‏.‏

وما فيها من الكمالات التي لو عدمتها كانت ناقصة دليل على أن معطي تلك الكمالات أحق بها‏.‏

فمفعولاته من أدل شيء على صفاته، وصدق ما أخبرت به رسله عنه‏.‏

فالمصنوعات شاهدة تصدق الآيات المسموعات منبهة على الاستدلال بالآيات المصنوعات‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق‏}‏ ‏(‏الآية‏:‏ 53 من سورة فصلت‏.‏‏)‏، أي أن القرآن حق‏.‏ فأخبر أنه لا بد من أن يريهم من آياته المشهودة ما يبين لهم أن آياته المتلوة حق‏.‏ ثم أخبر بكفاية شهادته على صحة خبره بما أقام من الدلائل والبراهين على صدق رسوله، فآياته شاهدة بصدقه، وهو شاهد بصدق رسوله بآياته، فهو الشاهد والمشهود له، وهو الدليل والمدلول عليه‏.‏

فهو الدليل بنفسه على نفسه كما قال بعض العارفين‏:‏ كيف أطلب الدليل على ما هو دليل لي على كل شيء، فأي دليل طلبته عليه فوجوده أظهر منه‏.‏ لهذا قال الرسل لقومهم‏:‏ ‏{‏أفي الله شك‏}‏‏(‏الآية‏:‏ 10 من سورة إبراهيم‏.‏‏)‏، فهو أعرف من كل معروف وأبين من كل دليل‏.‏ فالأشياء عرفت به في الحقيقة، وإن كان عرف بها في النظر والاستدلال بأفعاله وأحكامه عليه‏.‏

 فائدة‏:‏ كيف يفعل من أصابه هم أو غم

في المسند وصحيح أبي حاتم من حديث عبد الله بن مسعود قال‏:‏ ‏"‏قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ما أصاب عبداً هم ولا حزن فقال‏:‏ اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك، ماض فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي، إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه فرحاً‏.‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله أفلا نتعلمهن‏؟‏ قال‏:‏ بلى ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن‏"‏‏.‏

فتضمن الحديث العظيم أموراً من المعرفة والتوحيد والعبودية‏:‏ منها أن الداعي به صدَّر سؤاله بقوله‏:‏ إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك‏.‏ وهذا يتناول مَن فوقه من آبائه وأمهاته إلى أبويه ‏:‏ آدم وحواء، وفي ذلك تملق له واستخزاء بين يديه، واعتراف بأنه مملوكه وآباؤه مماليكه‏.‏ وأن العبد ليس له غير باب سيده وفضله وإحسانه، وأن سيده إن أهمله وتخلى عنه هلك ولم يُؤوه أحد ولم يعطف عليه بل يضيع أعظم ضيعة، فتحت هذا الاعتراف أني لا غنى بي عنك طرفة عين، وليس لي من أعوذ به وألوذ به غير سيدي الذي أنا عبده‏.‏

وفي ضمن ذلك الاعتراف بأنه مربوب مدبر مأمور منهي، إنما يتصرف بحكم العبودية لا بحكم الاختيار لنفسه، فليس هذا شأن العبد، بل شأن الملوك والأحرار، وأما العبيد فتصرفهم على محض العبودية، فهؤلاء عبيد الطاعة المضافون إليه سبحانه في قوله‏:‏ ‏{‏إن عبادي ليس لك عليهم سلطان‏}‏‏(‏الآية‏:‏ 42 من سورة الحجر‏.‏‏)‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً‏}‏ ‏(‏الآية‏:‏ 63 من سورة الفرقان‏.‏‏)‏، ومن عداهم عبيد القهر والربوبية، فإضافتهم إليه كإضافة سائر البيوت إلى ملكه، وإضافة أولئك كإضافة البيت الحرام إليه‏.‏ وإضافة ناقته إليه وداره التي هي الجنة إليه، وإضافة عبودية رسوله إليه بقوله‏:‏ ‏{‏وأنه لما قام عبد الله يدعوه‏}‏الآية‏:‏ 19 من سورة الجن‏.‏‏)‏‏.‏

 من معاني العبودية

وفي التحقيق بمعنى قوله‏:‏ ‏"‏إني عبدك‏"‏ التزام عبوديته من الذل، وامتثال أمر سيده واجتناب نهيه، ودوام الافتقار إليه واللجوء إليه، والاستعانة به والتوكل عليه، وعياذ العبد به وعياذه به، وألا يتعلق قلبه بغيره محبة وخوفاً ورجاء‏.‏

وفيه أيضاً أني عبد من جميع الوجوه صغيراً وكبيراً، حيًّا وميتاً، مطيعاً وعاصياً، معافى ومبتلى القلب واللسان والجوارح‏.‏

وفيه أيضاً أن مالي ونفسي ملك لك، فإن العبد وما يملك لسيده‏.‏

وفيه أيضاً أنك أنت الذي مننت عليَّ بكل ما أنا فيه من نعمة، فذلك كله من إنعامك على عبدك‏.‏

وفيه أيضاً أني لا أتصرف فيما خولتني من مالي ونفسي إلا بأمرك كما لا يتصرف العبد إلا بإذن سيده، وأني لا أملك لنفسي ضرًّا ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، فإن صح له شهود ذلك فقد قال إني عبدك حقيقة‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏"‏ناصيتي بيدك‏"‏ ، أي أنت المتصرف فيَّ، تصرفني كيف تشاء، لست أنا المتصرف في نفسي، وكيف يكون له في نفسه تصرف من نفسه بيد ربه وسيده وناصيته بيده وقلبه بين أصبعين من أصابعه، وموته وحياته وسعادته وشقاوته وعافيته وبلاؤه كله إليه سبحانه ليس إلى العبد منه شيء، بل هو في قبضة سيده أضعف من مملوك ضعيف حقير ناصيته بيد سلطان قاهر مالك له تحت تصرفه وقهره بل الأمر فوق ذلك‏.‏

ومتى شهد العبد أن ناصيته ونواصي العباد كلها بيد الله وحده يصرفهم كيف يشاء لم يخفهم بعد ذلك ولم يرجهم ولم ينزلهم منزلة المالكين، بل منزلة عبيد مقهورين مربوبين، المتصرف فيهم سواهم، والمدبر لهم غيرهم، فمن شهد نفسه بهذا المشهد صار فقره وضرورته إلى ربه وصفاً لازماً له، متى شهد الناس كذلك لم يفتقر إليهم ولم يعلق أمله ورجاءه بهم، فاستقام توحيده وتوكله وعبوديته، ولهذا قال هود لقومه‏:‏ ‏{‏إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم‏}‏‏(‏الآية‏:‏ 56 من سورة هود‏.‏‏)‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏"‏ماض فيَّ حكمك عدل في قضاؤك‏"‏ تضمن هذا الكلام أمرين‏:‏

أحدهما‏:‏ مضاء حكمه في عبده‏.‏

ثانيهما‏:‏ يتضمن حمده وعدله، وهو سبحانه له الملك وله الحمد‏.‏ وهذا معنى قول نبيه هود‏:‏ ‏{‏ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها‏}‏‏(‏الآية‏:‏ 56 من سورة هود‏.‏‏)‏، ثم قال‏:‏ ‏{‏إن ربي على صراط مستقيم‏}‏‏(‏الآية‏:‏ 56 من سورة هود‏.‏‏)‏، أي مع كونه مالكاً قاهراً متصرفاً في عباده نواصيهم بيده، فهو على صراط مستقيم‏:‏ في قوله وفعله، وقضاءه وقدره، وأمره ونهيه، وثوابه وعقابه، فخبره كله صدق، وقضاؤه كله عدل، وأمره كله مصلحة، والذي نهى عنه كله مفسده، وثوابه لمن يستحق الثواب بفضله ورحمته، وعقابه لمن يستحق العقاب بعدله ورحمته‏.‏

 القضاء والحكم والفرق بينهما

وفرق بين الحكم والقضاء وجعل المضاء للحكم والعدل للقضاء، فإن حكمه سبحانه يتناول حكمه الديني الشرعي وحكمه الكوني القدري، والنوعان نافذان في العبد، ماضيان فيه، وهو مقهور تحت الحكمين قد مضيا فيه ونفذا فيه‏.‏ شاء أم أبى، لكن الحكم الكوني لا يمكنه مخالفته، وأما الديني الشرعي فقد يخالفه‏.‏

ولما كان القضاء هو الإتمام والإكمال، وذلك إنما يكون بعد مضيه ونفوذه، قال‏:‏ ‏"‏عدل فيَّ قضاؤك‏"‏ أي الحكم الذي أكملته وأتممته ونفذته في عبدك عدل منك فيه، وأما الحكم فهو ما يحكم به سبحانه وقد يشاء تنفيذه وقد لا ينفذه، فإن كان حكماً دينيًّا فهو ماض في العبد، وإن كان كونيًّا‏:‏ فإن نفذه سبحانه مضى فيه، وإن لم ينفذه اندفع عنه، فهو سبحانه يقضي ما يقضي به، وغيره قد يقضي بقضاء ويقدر أمراً ولا يستطيع تنفيذه، وهو سبحانه يقضي ويمضي، فله القضاء والإمضاء‏.‏

وقوله‏:‏ ‏"‏عدل فيَّ قضاؤك‏"‏ يتضمن جميع أقضيته في عبده من كل الوجوه‏:‏ من صحة وسقم، وغنى وفقر، ولذة وألم، وحياة وموت، وعقوبة وتجاوز وغير ذلك‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم‏}‏‏(‏الآية‏:‏ 30 من سورة الشورى‏.‏‏)‏، وقال‏:‏ ‏{‏وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور‏}‏‏(‏الآية‏:‏ 48 من سورة الشورى‏.‏‏)‏، فكل ما يقضي على العبد فهو عدل فيه‏.‏

‏(‏فإن قيل‏)‏‏:‏ فالمعصية عندكم بقضائه وقدره، فما وجه العدل في قضائها‏؟‏ فإن العدل في العقوبة عليها غير ظاهر‏.‏

قيل‏:‏ هذا سؤال له شأن ومن أجله زعمت طائفة أن العدل هو المقدور والظلم ممتنع لذاته، قالوا‏:‏ لأن الظلم هو المتصرف في ملك الغير والله له كل شيء، فلا يكون تصرفه في خلقه إلا عدلاً‏.‏

وقالت طائفة‏:‏ بل العدل أنه لا يعاقب على ما قضاه وقدره، فلما حسن منه العقوبة على الذنب علم أنه ليس بقضائه وقدره فيكون العدل هو جزاؤه على الذنب بالعقوبة والذم إما في الدنيا وإما في الآخرة‏.‏

وصعب على هؤلاء الجمع بين العدل وبين القدر، فزعموا أن من أثبت القدر لم يمكنه أن يقول بالعدل‏.‏ ومن قال بالعدل لم يمكنه أن يقول بالقدر، كما صعب عليهم الجمع بين التوحيد وإثبات الصفات، فزعموا أنه لا يمكنهم إثبات التوحيد إلا بإنكار الصفات، فصار توحيدهم تعطيلاً وعدلهم تكذيباً بالقدر‏.‏

وأما أهل السنة فهم مثبتون للأمرين، والظلم عندهم هو وضع الشيء في غير موضعه كتعذيب المطيع ومن لا ذنب له، وهذا قد نزه الله نفسه عنه في غير موضع من كتابه، وهو سبحانه وإن أضل من شاء وقضى بالمعصية وألغى على من شاء فذلك محض العدل فيه لأنه وضع الإضلال والخذلان في موضعه اللائق به، كيف ومن أسمائه الحسنى ‏"‏العدل‏"‏ الذي كل أفعاله وأحكامه سداد وصواب وحق، وهو سبحانه قد أوضح السبل، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وأزاح العلل، ومكن من أسباب الهداية والطاعة بالأسماع والأبصار والعقول، وهذا عدله‏.‏ ووفق من شاء بمزيد عناية وأراد من نفسه أن يعينه ويوفقه فهذا فضله، وخذل من ليس بأهل لتوفيقه وفضله وخلى بينه وبين نفسه، ولم يرد سبحانه من نفسه أن يوفقه، فقطع عنه فضله ولم يحرمه عدله، وهذا نوعان‏:‏

أحدهما‏:‏ ما يكون جزاء منه للعبد على إعراضه عنه، وإيثار عدوه في الطاعة والموافقة عليه وتناسي ذكره وشكره فهو أهل أن يخذله ويتخلى عنه‏.‏

ثانيهما‏:‏ ألا يشاء له ذلك ابتداء لما يعلم منه أنه لا يعرف قدر نعمة الهداية، ولا يشكره عليه، ولا يثني عليه بها ولا يحبها فلا يشاؤها له لعدم صلاحيته محله‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين‏}‏‏(‏الآية‏:‏ 53 من سورة الأنعام‏.‏‏)‏، وقال‏:‏ ‏{‏ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم‏}‏‏(‏الآية‏:‏ 23 من سورة الأنفال‏.‏‏)‏، فإذا قضى على هذه النفوس بالضلال والمعصية كان في محض العدل، كما إذا قضى على الحية بأن تقتل وعلى العقرب وعلى الكلب العقور كان ذلك عدلاً فيه، وإن كان مخلوقاً على هذه الصفة‏.‏

وقد استوفينا الكلام في هذا في كتابنا الكبير في القضاء والقدر‏.‏

والمقصود‏:‏ أن قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ماض في حكمك عدل في قضاؤك‏"‏ رد على الطائفتين‏:‏ القدرية الذين ينكرون عموم أقضية الله في عباده ويخرجون أفعال العباد عن كونها بقضائه وقدره، ويردون القضاء إلى الأمر والنهي، وعلى الجبرية الذين يقولون كل مقدور عدل فلا يبقى لقوله‏:‏ ‏"‏عدل في قضاؤك‏"‏ فائدة، فإن العدل عندهم كل ما يمكن فعله والظلم هو المحال لذاته، فكأنه قال‏:‏ ماض ونافذ فيَّ قضاؤك، وهذا هو‏.‏

وقوله‏:‏ ‏"‏أسألك بكل اسم ‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏ إلى آخره، توسل إليه بأسمائه كلها ما علم العبد منها وما لم يعلم، وهذه أحب الوسائل إليه، فإنها وسيلة بصفاته وأفعاله التي هي مدلول أسمائه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏"‏أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري‏"‏ الربيع‏:‏ المطر الذي يحيي الأرض‏.‏ شبه القرآن به لحياة القلوب به، وكذلك شبهه الله بالمطر وجمع بين الماء الذي تحصل به الحياة والنور الذي تحصل به الإضاءة والإشراق، كما جمع بينهما سبحانه في قوله‏:‏ ‏{‏أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبداً رابياً ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏(‏ الآية‏:‏ 17 من سورة الرعد‏.‏‏)‏ ، في قوله‏:‏ ‏{‏مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم‏}‏‏(‏الآية‏:‏ 17 من سورة البقرة‏.‏‏)‏، ثم قال‏:‏ ‏{‏أو كصيب من السماء‏}‏الآية‏:‏ 19 من سورة البقرة‏.‏‏)‏، وفي قوله‏:‏ ‏{‏الله نور السموات الأرض مثل نوره‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآيات ‏(‏ الآية‏:‏ 35 من سورة النور‏.‏‏)‏ ، ثم قال‏:‏ ‏{‏ألم تر أن الله يزجي سحاباً ثم يؤلف بينه‏}‏ الآيات ‏(‏الآية‏:‏ 43 من سورة النور‏.‏‏)‏‏.‏

فتضمن الدعاء أن يحيي قلبه بربيع القرآن وأن ينور به صدره فتجتمع له الحياة والنور‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها‏}‏‏(‏الآية‏:‏ 122 من سورة الأنعام‏.‏‏)‏‏.‏

ولما كان الصدر أوسع من القلب كان النور الحاصل له يسري منه إلى القلب؛ لأنه قد حصل لما هو أوسع منه، ولما كانت حياة البدن والجوارح كلها بحياة القلب تسري الحياة منه إلى الصدر ثم إلى الجوارح سأل الحياة له بالربيع الذي هو مادتها، ولما كان الحزن والهم والغم يضاد حياة القلب واستنارته سأل أن يكون ذهابها بالقرآن فإنها أحرى ألا تعود‏.‏ وأما إذا ذهبت بغير القرآن من صحة أو دنيا أو جاه أو زوجة أو ولد فإنها تعود بذهاب ذلك‏.‏ والمكروه الوارد على القلب إن كان من أمر ماض أحدث الحزن، وإن كان من مستقبل أحدث الهم، وإن كان من أمر حاضر أحدث الغم، والله أعلم‏.‏